السلف في رمضان :شوق وحنين وسباق إلى الله

الأربعاء, 05/23/2018 - 08:46

السلف كانت لهم أحوال خاصة مع شهر رمضان؛ إذ كانوا ينتظرون رمضان بشوق وحنين متخذينه شهر مضمار وسباق إلى الله تعالى، فإذا دخل رمضان كانوا قليلا من الليل ما يهجون وبالأسحار هم يستغفرون، يبيتون لربهم سجدا وقياما، فيصبحون شعثا غبرا صفرا، ولكنهم فازوا بالنعيم وزيادة.
و في هذا الشهر كان السلف  الذين عاشوا في القرون الثلاثة المفضلة؛ وأولهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ومن بعدهم  التابعين، أحوالهم وأفعالهم مستقاة من النبي القدوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان عليه الصلاة والسلام جوادا كريما، يطعم الطعام، ويقرأ القرآن، ويقوم الليل حتى تتفطر قدماه، إلى غير ذلك من العبادات والطاعات التي يضاعفها صلى الله عليه وسلم في  شهر الصيام و القيام أكثر من غيره من الأزمان، فالسلف كانت  أحوالهم في رمضان غير أحوالهم في الشهور الأخرى.
وقد كان السلف  يستعدون لرمضان بالدعاء، فقد ورد عن بعض السلف أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه خمسة أشهر بعدها حتى يتقبل منهم، فيدعون الله أن يبلغهم رمضان على خير في دينهم وأبدانهم، ويدعوه أن يعينهم على طاعته فيه، ويدعوه أن يتقبل منهم أعمالهم.
وكان السلف  أشد فرحًا بقدوم رمضان، وكانوا يظهرون السرور والبشر؛ لأن رمضان من مواسم الخير، الذي تفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب النيران، وهو شهر القرآن، لذا كانوا يفرحون مصداقًا لقوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
وقبل رمضان كان السلف يتحللون ويبرئون ذمتهم من الصيام الذي عليهم بسبب عذر من سفر أو مرض أو حيض أو نفاس وغيرها من الأعذار الشرعية، فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ.
وكان السلف  يستعدون لشهر رمضان بالإكثار من الصيام في شهر شعبان، وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان".
وكذلك كانوا يستعدون لهذا الشهر الكريم بقراءة القرآن فيقول أنس بن مالك صاحب رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: "كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبُّوا على المصاحف فقرءوها، وأخرجوا زكاة أموالهم تقويةً للضعيف والمسكين على صيام رمضان".
 وكان الإمام مالك بن أنس- الذي لا تنقطع دروسه في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم - يوقفها في رمضان  لأنه ينشغل بشهر القرآن، الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى إذا دخل رمضان يفرُّ من الحديث، ومن مجالسة أهل العلم، ويُقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
وقد كان الإمام الشافعي في رمضان يختم القرآن60 مرة .. أي ختمتين في اليوم، وكان الإمام أحمد يغلق الكتب ويقول هذا شهر القرآن.
 و كان محمد بن إسماعيل البخاري يختم في رمضان في النهار كلَّ يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كلَّ ثلاثَ ليال بختمة،حيث كان سفيان الثوري رحمه الله إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات، وأقبل على قراءة القرآن.
وكان ابن عمر رضي لله تعالى عنهما يصوم، ولا يفطر إلاَّ مع المساكين، يأتي إلى المسجد فيصلي ثم يذهب إلى بيته ومعه مجموعة من المساكين، فإذا منعهم أهله عنه لم يتعشَّ تلك الليلة.
هذا و كان قتادة يختم القرآن في سبع، - أي كل سبع ليالي يقرأ القرآن مرة -، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاثٍ، فإذا جاء العشر الأواخر ختم كل ليلةٍ، و كان  الإمام الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة، -يعني في كل ليلة يختمه مرتين- وفي كل شهر ثلاثين - أي في غير رمضان - ختمة.
 وفي ليلة القدر يزداد الدعاء ويتضاعف من السلف وغيرهم، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! أرأيتَ إن علمتُ أي ليلةٍ ليلة القدر ما أقول فيها؟) قال قولي: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. يعني -بهذا الحديث-: اترك مؤاخذتي بجرمي، واستر على ذنبي، وأذهب عني عذابك، واصرف عني عقابك.
وفي صلاة القيام دعاء -أيضا ورد- عن ابن عباس رضي الله -تعالى- عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تهجَّد من الليل قال: "اللهم ربنا لك الحمد، أنت قيّم السماوات والأرض، ولك الحمد، أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللهم: لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك خاصمت، وبك حاكمت، فاغفر لي: ما قدمتٌّ وما أخرتٌّ، وأسررتٌّ وأعلنتٌّ، وما أنت أعلم به مني، لا إله إلا أنت). رواه البخاري.
أما حال السلف  في النفقة والجود والكرم في رمضان، فحدث ولا حرج، مقتدين في ذلك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، إنّ جبريل عليه السلام كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ - يعني جبريل طول الشهر يلقَى النبي كل ليلة، فينسلخ الشهر - فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة). متفق عليه.
هذا  هو حال السلف في شهر رمضان مع القرآن، فما هو حالنا نحن اليوم؟ و إذا كان الإمام مالك يترك دروس العلم ليقرأ القرآن، فهل نترك نحن مواقع و شبكات التواصل الاجتماعي ، وما شابه ذلك لننتبه لقراءة القرآن الكريم في شهر الصيام والقيام؟.
 خلاصة الكلام أننا على أثر السلف ماضون، وعلى خطاه سائرون، نسأل الله أن يهدينا بهداهم، وأن يعيننا بالسير على خطاهم اللهم آمين.
 
 عبد الرزاق سيدي محمد