مهرجان المدن القديمة: فسحة على ضفاف التاريخ..

الإثنين, 11/11/2019 - 12:21

بفضل وجود مدن تاريخية قديمة، مصنفة لدى المنظمة الأممية للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" تراثا عالميا مشتركا، فتحت موريتانيا نوافذ مشرعة على العالم الخارجي لتحكي وتقدم من خلالها لشعوب المعمورة وسكانها قصصا من كفاح الإنسان، وحكايات من فرحه وترحه، ودروسا من فلاحه ونجاحه بعد إخفاقه وكبوته؛ وتريهم آثارا ومعالما باقية من سعيه المستميت لإعمار الأرض، ونقوشه الخالدة في بناء صرح الحضارة الإنسانية.
إن مدننا التاريخية، المتناثرة وسط رمال صحراء ذهبية شاسعة، شكلت امتدادا تاريخيا لثقافة الإنسان الكونية، وجسرا مورودا منح الحياة والكرامة لأمم كثيرة مرت من هنا ذات يوم؛ وبوتقة انصهرت داخلها مكونات حسية ومعنوية عديدة اهدت للعالم، من حولنا، كنوزا ثرة من العطاء الفكري والمعرفي، غطت أكثر من صعيد.
ويدرك، اليوم، معاشر المتأخرين عراقة ونصاعة مساهمة المتقدمين منا في ورشة الحضارة العالمية المفتوحة.. فبصمات القوم مرتسمة، بشموخ وكبرياء، في فن عمارتهم الجميلة وخطوطها البديعة، وبين أحرف مخطوطات جلة علمائهم ومفكريهم الأعلام، وعلى صفحات سيوف أبطالهم ومجاهديهم الأفذاذ.
وقد كانت هذه البقاع الأثرية، في عصورها الذهبية، مدن دين و دنيا، يسمع من صدور دورها ومن جنبات دروبها دوي التلاوات حدرا وترتيلا؛ وفي واحاتها الممتدة، غرس أهلها الأمل قبل الفسيلة، وقذفوا بذور حُب الموطن بقلوبهم، قبل أن يذروا حَب الزروع في باطن الأرض. لقد كانت ولاته، ووادان، وتيشيت، وشنقيط وغيرها، حواضرا عامرة، و مراكزا عربية إسلامية توجه بوصلة الأحداث، وتصنع القرارات الدينية والتجارية، وتأثر أكثر مما تتأثر بمحيطها، لكونها حلقة وصل بين ثقافات وهويات مختلفة..تلاقت شخوصا وشخصيات وقوافلا على أديمها المعطاء.
ووعيا بالرمزية التاريخية لهذه الكنوز الوطنية التراثية، يقام سنويا "مهرجان المدن القديمة" بإحدها، استذكارا لماضيها المجيد، وشحنا للنفوس بطاقة موجبة من تاريخنا المجيد، نحفز بها السواعد والعقول، لتواصل السير على درب البناء المحقق لنماء شامل يودع عنفوانا في نهضة حاضر بلدنا ومستقبله.
وتستضيف "مدينة شنقيط العريقة" نسخة هذا العام السعيد من "مهرجان المدن القديمة".. وهي، بطبيعة الحال، واحدة من أشهر وأغلى المدن الأثرية الموريتانية، ومن زمن بعيد، وصلت شهرتها وصيتها الآفاق، فجميع الموريتانيين سميون لـ "شنقيط" ..ولذلك "شنقيط" لم تعد اسما لمكان محدد التخوم، بل غاصت دلالتها إلى أعمق من ذلك، فأصبحت نعتا متجولا، بخيلاء، في سوح الموسوعية والتبحر والإجادة علما وكرما ونبلا، لايقف شعره وصف ولا صفات غريمة. 
محمد فاضل محمد

بقية الصور: 

البث المباشر إذاعة القرآن الكريم