مرتنة مطاعم نواكشوط.. انتصار لهوية الأطباق المحلية

الأربعاء, 22/01/2020 - 12:37

اكتسحت المطاعم الحديثة، و محلات بيع الوجبات السريعة واجهات معظم الطرق و الشوارع الرئيسية بالعاصمة نواكشوط، و هو مظهر صحي يألفه الناس في جميع مدن، و حواضر العالم الكبرى في هذا العصر.
و في اللوحات التعريفية، يحمل كثير من هذه المحلات مسميات وافدة، تحيل الى شخصيات و وقائع تاريخية و أماكن غريبة لا خيط يربطها بتاريخ و رموز و ثقافة البلد المستضيف "موريتانيا".. و هو أمر يبعث على التساؤل؟؟، و يثير الاستهجان!!!..
ولا تخطئ عين المتجول داخل أحياء المدينة الراقية منها و الشعبية، على حد سواء، محلات و مطاعم يديرها مقيمون، و وافدون، و قد تسمت بعمل درامي من المطولات، التي بثت على إحدى الفضائيات؛ أو بإسم مغن راپ؛ أو بكنية لاعب كرة قدم يفتن ذكره عقول عشاقه؛ و غير ذالك من غريب التعريفات الإشهارية.. دون أن نغفل انتحال كثير منها لتسمية محلات عالمية، و محلية معروفة، ما يشكل تعديا خطيرا على الملكية الفكرية للآخرين.
و من جانب آخر، تأتي قائمة الوجبات المقدمة من طرف هذه المحلات متناغمة مع الشعارات الخارجية، نشازا لا ترقب إلا و لا رحمة في متطلبات الذائقة المحلية.. فأسماء الاطعمة و المشروبات المدونة في القوائم جميعها مستجلبة " فكرة و تصميما و اعدادا ".. و لا تراعي في شكلها و لا مضمونها الخصوصية المناخية لسكان البلد، و لا طبيعة النمط الغذائي السائد في المجتمع .. و هو ما يفسر، حسب بعض المراقبين، ظهور الأدواء الغامضة، التي لم تكن معروفة في الأجيال السالفة.
صحيح ان بعضا من هذه المحال يساهم، و إن على استحياء، في الحد من تفشي ظاهرة البطالة بتوفيره لفرص عمل عديدة، استفاد منها شباب كان حظهم من التحصيل المعرفي محدودا، حيث وجدوا في كنفها فرصة الحصول على لقمة العيش بشرف.. علاوة على اضفائها مظهرا مدنيا عصريا زاد من جمال، و فخامة بعض الطرقات بقلب و اطراف العاصمة.. لكن هذه الايجابيات الخجولة لا تمنع من تفحص خواء النصف المتبقي من الكأس.
إن الانفتاح على الآخر حاجة، و واقع فرضته العولمة؛ و احتضان جميع الزوار، و المقيمين، و المستثمرين و الإحتفاء بهم موضة تجتاح العالم، و إن كنا ملزمين بالتناغم مع هذه السمفونية العامة التي يعيش على ايقاعها محيطنا الإقليمي و الدولي في هذا المجال.. فمن المهم، هنا، الوعي بخطورة الاندماج الكلي، و التنبه لمضار الإرتماء الحر في سفوح عادات و طقوس الوافدين؛ و الوقوع في حبائل نماذجهم العاداتية المفضية، في آخر المطاف، إلى التنصل من العادات الغذائية التقليدية المتوارثة، البسيطة في تحضيرها و مكوناتها، و التي عمرت مئات السنين، و مازالت تعيش بأعماقنا، على الاقل، بمسمياتها، و كأنها تناهض محاولاتنا الفجة لنسيانها، و طي صفحتها العبقة برمزية الأصالة الحافلة بمعاني الخصوصية الضاربة في جذور البيئة و الطبيعة الصحراوية للمجمتع.
و في ظل مساع الوافدين لتوطين عاداتهم الغذائية في يوميات المواطن البسيط، باتت المحافظة على هوية الطبق التقليدي الموريتاني مسؤولية مشتركة يقع ثقلها علينا جميعا، لأنه خلاصة عصف ذهني محلي خالص، و الإرادة في حفظه من الضياع و التلاشي، يجب ان تضارع تشبثنا بكل المقومات، التي تتضافر لتشكل مجتمعة شخصية الهوية الوطنية الجامعة لكل الموريتانيين.
محمد فـــــــاضل محمد

البث المباشر إذاعة القرآن الكريم