قدم معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، صباح اليوم السبت، بيان السياسة العامة للحكومة أمام الجمعية الوطنية، خلال جلسة علنية ترأسها رئيس الجمعية، السيد محمد بمب مكت، وذلك تطبيقا لمقتضيات المادتين 42 و74 من الدستور، والمادة 132 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية.
وفي ما يلي نص بيان السياسة العامة للحكومة الذي قدمه معالي الوزير الأول أمام نواب الجمعية الوطنية، بحضور أعضاء الحكومة:
“بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على نبيه الكريم
السيد رئيس الجمعية الوطنية؛
السادة والسيدات النواب المحترمون؛
يطيب لي، ابتداءً، أن أتوجه إليكم، سيدي الرئيس، وإلى السادة النواب المحترمين، موالاة ومعارضة، بخالص التحية وجزيل الشكر، مثمنا عاليا ما حظيت به، من خلال هيئتكم الموقرة، طوال الفترة المنصرمة، من ثقة ودعم ومواكبة، وما بذلتموه من جهود مقدرة في الاضطلاع بمهامكم في مجالات التشريع والمساءلة ورقابة العمل الحكومي.
فنجاعة السياسات العمومية تتوقف، في جزء معتبر منها، على ما تقرّه الجمعية الوطنية من تشريعات، وما تحرص عليه من صرامة في الرقابة وانتظام في المساءلة.
لقد أبان ما طبع عملنا المشترك من سلاسة وتقبّل لحرية الاختلاف عن ترسّخ ملحوظ لمبدأ فصل السلطات واستقلاليتها في منظومتنا الديمقراطية. ولا يخفى ما لهيئتكم الموقرة من دور مشكور ومقدّر في ذلك.
إنني لحريص، في هذا المقام، على أن أعرب عن عظيم شكري وبالغ تقديري لصاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، على ما أحاطني به من دعم ومواكبة دائمين وتوجيه مستنير طوال فترة تنسيقي لعمل الحكومة السابقة، وكذلك على ما منحني من ثقة أعتز بها، بتكليفه إياي باقتراح تشكلة الحكومة الجديدة وتنسيق عملها.
وبموجب هذا التكليف، وإنفاذا للمادة 42 (جديدة) من الدستور، أقف اليوم أمام هيئتكم الموقرة، ومن خلالها أمام الشعب الموريتاني، صاحب السيادة ومصدرها حصرا، لعرض السياسة العامة للحكومة، مستحضرا جسامة هذه المسؤولية الوطنية، ومدركا تمام الإدراك أن الثقة تكليف قبل أن تكون تشريفا، ومؤمنا بأننا، بالجدية في العمل، والصدق والإخلاص في القصد، والوضوح في تحديد الأولويات، والشجاعة في اتخاذ القرار، والصرامة في متابعة التنفيذ، والاستعداد الدائم للمساءلة والتقييم، سنقطع معا شوطا مهما على طريق تحقيق تطلعات شعبنا وبناء الوطن الذي ننشده جميعا.
ولا يسعني، وأنا بصدد تقديم هذا العرض، إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل والتهنئة المستحقة إلى أعضاء الحكومة السابقة، فردا فردا، على ما قدموه من تضحيات، وما بذلوه من جهود مقدرة في تنفيذ البرامج الحكومية، وما حققوه من حصيلة مشرفة، رغم التحديات الكبيرة التي واجهوها.
لقد واجهت الحكومة السابقة تحديات جساما، بعضها بنيوي، سبق أن فصلت فيه أمام هيئتكم الموقرة عند عرض بيان السياسة العامة للحكومة آنذاك، وبعضها الآخر مستجد، ارتبط بظروف دولية أو إقليمية أو وطنية.
وعلى الرغم من جسامة التحديات التي تواجه البلد، وما أضافته التحديات المستجدة من أعباء، فإن الحكومة لم تدخر جهدا في وضع اللبنات التي سمحت بها ظروف المرحلة، توطيدا لصرح الدولة الموريتانية وإسهاما في ترسيخ دعائمها وتعزيز قدرتها على الاستجابة لتطلعات شعبها وخدمة المواطنين أينما كانوا، تنفيذا لبرنامج فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة النواب المحترمون،
على الرغم من أن هذه المناسبة هي في المقام الأول مناسبة لتقديم بيان السياسة العامة للحكومة، فإنني، وبعد إذنكم، سأذكر في عناوين سريعة بعض ما تم إنجازه في المرحلة الماضية.
لقد كان العامان المنصرمان، كما الأعوام الخمسة التي سبقتهما، حافلين بالعمل الوطني المكثف، والإصلاحات العميقة، والتحسن الملموس في البنى التحتية والنفاذ إلى الخدمات الأساسية، والتطور السريع في أهم المؤشرات الاقتصادية والتنموية.
فعلى الرغم من الأزمات الدولية، تمكنت بلادنا من المحافظة على معدلات نمو معتبرة، وتعزيز قدرة اقتصادها على الصمود وتنويع مصادر نموه. فقد تجاوز متوسط النمو الاقتصادي 4% خلال الفترة 2019 – 2026، فيما يُتوقع أن يحافظ على مستويات تزيد على 4% خلال الفترة 2027 – 2029، على الرغم من آثار الحرب، كما أسهمت السياسة الاقتصادية والمالية المنضبطة في توفير هوامش ميزانوية ساعدت على تعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي، وخفض نسبة الدين العام الخارجي إلى أقل من 40% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2026.
وقد حرصنا، مراعاة لتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، على توجيه جل ما أتاحته نجاعة السياسات الاقتصادية والمالية من هوامش ميزانوية لتعزيز الحماية الاجتماعية والتخفيف من أعباء المعيشة، من خلال تمويل الحكومة، اعتمادا على الموارد الذاتية للدولة، برامج اجتماعية واسعة، بالتوازي مع تنفيذ برنامج استثماري هو الأكبر من نوعه في تاريخ البلد.
وفي هذا الإطار، على سبيل المثال لا الحصر، استفادت أكثر من 350 ألف أسرة، لأول مرة، من التحويلات النقدية. كما صُرفت مساعدات نقدية للمتقاعدين ولموظفي الدولة، ورُفع الحد الأدنى للأجور، وتجاوزت الاعتمادات السنوية المخصصة لدعم أسعار المحروقات والكهرباء 80 مليار أوقية قديمة سنة 2026 وحدها.
كما تضاعفت اعتمادات الأجور في ميزانية الدولة بين عامي 2019 و2026، بالتزامن مع زيادات معتبرة في الرواتب والعلاوات، كان آخرها زيادتان متتاليتان في رواتب أفراد القوات المسلحة وقوات الأمن خلال عامي 2025 و2026، فضلا عن زيادة رواتب المدرسين وعلاواتهم سنة 2026. كما أُنشئ صندوق لسكن المدرس استفاد منه، حتى الآن، أكثر من 1300 مدرس، وتجري الآن التحضيرات لنشر لائحة الدفعة الثانية للمستفيدين من هذا الصندوق والبالغ عددها حتى الآن 1227 مدرسا.
وفي مجال حصيلة السياسات الاجتماعية، توسعت قاعدة الضمان الاجتماعي، خصوصا لفائدة المواطنين الأكثر حاجة، حيث ارتفع العدد الإجمالي للمؤمَّنين من 496 ألفا سنة 2019 إلى 1.4 مليون سنة 2026. وعلى وجه الخصوص، ارتفع عدد المؤمَّنين لدى الصندوق الوطني للتضامن الصحي، منذ إطلاق خدماته في شهر سبتمبر 2023، إلى أكثر من 279 ألف شخص. كما شمل التأمين، لأول مرة، وفي رسالة معبرة، الوالدين، فضلا عن توفير التأمين الصحي لأكثر من 52 ألف طالب جامعي. وعُمّمت المنح على جميع طلبة التعليم العالي المنحدرين من أسر مسجلة في السجل الاجتماعي، وهو ما يقارب أكثر من 10 آلاف طالب، ووفّر لهم النقل المجاني من الحرم الجامعي وإليه.
كما جُسّدت توجيهات فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بشأن فتح داخليات توفر السكن والإعاشة الملائمين لطلاب التعليم الثانوي. وقد فُتحت هذه الداخليات، حتى الآن، في ست مؤسسات في مدن بوسطيله وأوجفت وكيهيدي وألاك وكيفه وأطار.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة النواب المحترمون،
وعلى الرغم مما اقتضاه هذا الجهد الاجتماعي الكبير من تعبئة استثنائية للموارد المالية، فقد نفذت الحكومة، بالتوازي معه، برامج استثمارية غير مسبوقة شملت توفير الخدمات الأساسية وتشييد البنى التحتية الضرورية للنمو.
وتعكس المؤشرات التالية حجم الإنجازات المحققة في هذا المجال.
فمنذ عام 2019، أُنجز نحو 7600 حجرة دراسية في التعليم الأساسي والثانوي، استُلم نصفها تقريبا بين عامي 2025 و2026 وتضاعفت القدرة الاستيعابية للتعليم العالي والتكوين المهني.
وفي المجال الصحي، شيد وجهز مستشفيان جهويان، ووسع ورمم مركز استشفائي وطني. وتتواصل حاليا أشغال بناء خمسة مستشفيات جهوية، ونحو 65 مركزا صحيا، و114 نقطة صحية، إلى جانب أعمال توسعة وترميم خمسة مستشفيات وطنية. كما ستتعزز هذه الحصيلة بمشاريع البنية التحتية الصحية التي وضع فخامة رئيس الجمهورية حجر الأساس لها قبل يوم أمس، في إطار المرحلة الثانية من برنامج تنمية نواكشوط.
وفي الوقت ذاته، تحسن النفاذ إلى الماء الصالح للشرب بشكل ملحوظ؛ إذ حلّت، وبشكل نهائي بإذن الله، مشكلة الطمي في نواكشوط، وزاد إنتاج إديني بأكثر من الضعف، وتضاعف إنتاج آفطوط الشرقي ثلاث مرات، كما تضاعفت كمية المياه المتاحة لمدينة نواذيبو وأوشكت على المضاعفة. كما أوشكت الأعمال في مشروع الهادف إلى مضاعفة مياه ”أظهر” على الاكتمال، وأُطلق مشروع تزويد الخط كوري – كيفه بمياه الشرب من النهر، وأطلق مشروع سقاية 165 تجمعا سكنيا بين لبراكنه وتكانت ولعصابه، وأطلق مشروع زيادة إنتاج آفطوط الساحلي، الذي من المتوقع اكتمال أشغاله قبل نهاية 2028. كما حُفرت 1340 بئرا جديدة منذ عام 2019، حفر حوالي نصفها في السنتين الأخيرتين. ويجري العمل حاليا على تعبئة الموارد الضرورية لتمويل مشاريع هيكلية أخرى في مناطق متعددة من أرض البلد.
ونظير هذا الجهد بذل كذلك في مجال توسيع النفاذ إلى الكهرباء، فإضافة إلى إطلاق الأعمال في ثلاث محطات إنتاج جديدة، ستضاعف حجم الإنتاج الحالي، اقتُني 55 مولدا كهربائيا منذ عام 2019 لتوفير الخدمة في المدن الكبيرة، وتجري حاليا كهربة أكثر من 400 قرية. كما عُبئت الموارد اللازمة لتمويل أكبر مشروع لنقل الكهرباء عرفته البلاد منذ استقلالها، وهو مشروع خط الجهد العالي نواكشوط – النعمة.
وشهد قطاع الطرق بدوره نشاطا ملحوظا منذ عام 2019. فقد أُنجز، حتى الآن، 784 كيلومترا من الطرق الجديدة، وأُعيد بناء 997 كيلومترا أخرى، فيما تتواصل أشغال بناء وإعادة تأهيل 1431 كيلومترا، واستحدثت، ولأول مرة، مسارات للنقل السريع في العاصمة عبر باصات مكيفة.
وعلى وجه الخصوص، انتهت أشغال إعادة تأهيل طريق الأمل، وأصبح سالكا بعد معالجة مظاهر التدهور التي كانت تعيق انسيابية الحركة عليه. كما أُعيد بناء طريق بوكي–كيهيدي وتم بناء طريق كرمسين–ميناء انجاكو، وأُنجز الطريق الدائري لمدينة نواكشوط، إلى جانب حوالي 86 كيلومترا من الطرق الحضرية في العاصمة سنة 2026.
ووصلت أشغال طريق النعمة – انبيكت لحواش إلى مراحلها النهائية، وتتواصل الأشغال على محاور: تجكجة – سيلبابي مونكل -السواطة، السواطة – باركيول وأطار – شنقيط وأمرج-عدل بكرو.
وانطلقت أشغال إعادة بناء طريق أكجوجت – أطار. كما عُبئت الموارد وأُطلقت المناقصات لإنجاز طرق تمبدغه – بوسطيله، والطينطان – اطويل، واركيز – البزول، على أن تُطلق قريبا، بإذن الله، مناقصة طريق وادان.
واكتملت كذلك الأشغال، ولأول مرة، في ثلاثة جسور بنواكشوط، هي جسور التآزر والصداقة والحي الساكن، فيما تجري التحضيرات لإطلاق أشغال خمسة جسور جديدة.
كما اكتملت دراسات الطريق السريع نواكشوط – بوتلميت، وتجري الآن المفاوضات بشأن عقد الشراكة في إطار قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص.
وبالتوازي مع هذه الجهود في مجال البنية التحتية والخدمات الأساسية، عملت الحكومة على دراسة وتمويل وإطلاق مشاريع هيكلية أخرى، من بينها مشروع الصرف الصحي في نواكشوط ومشروع القناة الزراعية “سَكَّامْ” في اترارزة على طول 32 كيلومترا، وأعلنت مناقصة شق قناة جديدة في منطقة لويد في لبراكنه يزيد طولها على 24 كيلومترا. ومن المقرر أن تنطلق أشغال بناء ميناء المياه العميقة في نواذيبو قريبا وبعد طول انتظار.
لم يقتصر عمل الحكومة على البرامج الاجتماعية أو البنى التحتية، فقد أطلقت أيضا إصلاحات إدارية وقانونية ومؤسسية استهدفت تحديث الإطار المؤسسي وتحسين أداء الإدارة العمومية وفعاليتها.
وفي هذا الإطار، صادقت الحكومة السابقة على 156 مشروع قانون وأحالتها إلى جمعيتكم الموقرة، كما صادقت على 383 مرسوما تنظيميا، شملت مجالات متعددة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والإدارية.
ومن أهم النصوص التي اعتُمدت في الفترة الأخيرة بهدف توفير الإطار القانوني والتنظيمي المحفز للاستثمار، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن أن نذكر مدونة جديدة للاستثمار، وقانونا للشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومدونة جديدة للطلبية العمومية، وقانونا جديدا لتطوير الأسواق المالية، وقانونا لتعزيز المحتوى المحلي في قطاعي الصناعات الاستخراجية والطاقة، وقانونا لتنظيم النشاط الصناعي، وآخر لتطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة وتحسين تأطيرها.
ومن جهة أخرى، وفي إطار تحسين الحكامة، تمت المصادقة على القانون الجديد لمكافحة الفساد، والقانون المنظم للتصريح بالممتلكات والمصالح، والقانون المنشئ للسلطة الوطنية لمكافحة الفساد. كما أُعدّ قانون جديد لتنظيم المؤسسات والشركات العمومية يضبط ويعقلن تسييرها.
وشملت الإصلاحات أيضا تحديث الإطار القانوني المنظم للصيدلة، وإقرار إطار قانوني جديد ينظم المؤسسات الاستشفائية، لأول مرة، كما تمت المصادقة على قانون خاص بالتقييم البيئي والاجتماعي، وقانون خاص بالشاطئ.
كما يعد التوسع في رقمنة الإدارة العمومية من أبرز الإصلاحات التي شهدتها السنوات الأخيرة، لما يتيحه من تحسين جودة الخدمات الإدارية، وتيسير النفاذ إليها، وتوفير الوقت، وتعزيز الشفافية والإنصاف.
وتجسد رقمنة تنظيم المسابقات الوطنية، التي مكنت من تعزيز الشفافية والفعالية فيما تم حتى الآن من إجراءات اكتتاب 3000 موظف جديد، وإجراءات اكتتاب 3852 مدرسا مثالا ملموسا على النتائج الإيجابية التي حققتها الإدارة العمومية في مجال التحول الرقمي.
السيد الرئيس؛
السادة والسيدات النواب المحترمون؛
إن ما بُذل في الفترة المنصرمة من جهود كبيرة وتضحيات جسام، وما تحقق من إنجازات معتبرة، يظل عملا بشريا لا يخلو من النقص والقصور، وقد يشوبه أحيانا الخطأ وسوء التقدير.
واستحضارا لكل ذلك، سنواصل العمل لتأدية الواجب، فبالنسبة لنا أن كل ما أُنجز، على أهميته، يبقى دون طموح فخامة رئيس الجمهورية ودون مستوى انتظارات وتطلعات الشعب الموريتاني المشروعة لبناء دولة قادرة على توفير مقومات العيش الكريم لجميع مواطنيها.
فكل حصيلة تبقى ناقصة ما دام هناك رب أسرة شريف كريم، أو معيلة أسرة شريفة كريمة، في أحد أطراف مدننا أو في إحدى قرانا النائية، يقضي يومه مهموما، يكابد من أجل التوفيق بين دخل محدود، إن وُجد، وبين حاجات أسرته اليومية الملحّة والضاغطة.
ولن نرضى عن أي حصيلة ما دام هناك مواطن يكابد المرض دون علاج، إما لغياب الخدمة الصحية المناسبة، أو لعدم امتلاكه تكلفة العلاج.
ولن تكتمل فرحتنا بأي نتيجة للعمل الحكومي قبل أن يتمكن جميع أطفالنا من الدراسة في ظروف مناسبة ومتكافئة وتتجسد كل أهداف المدرسة الجمهورية كما رسمها صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني. وستبقى الحصيلة إذا ناقصة ما دام هناك أطفال في سن التمدرس خارج الصف، بسبب العمل أو الإهمال أو عدم توافر الظروف الضرورية للدراسة، من معيشة، أو نقل أو سكن أو كتب أو أدوات مدرسية.
ولن نكتفي بأي حصيلة لا تضمن توفر الماء الصالح للشرب بشكل دائم لجميع مواطنينا في المدن والأرياف، دون الحاجة إلى تنقّل أم أو ابن أو بنت لجلبه بمشقة من أماكن بعيدة، ودون الاضطرار إلى دفع مبالغ مجحفة للحصول على شربة ماء.
وندرك أن الجهود الكبيرة التي بذلت لتحسين استمرارية الخدمة الكهربائية لم تمنع وقوع حادث احتراق المحطتين في نواكشوط، الذي أثّر سلبا في التحسينات الملموسة التي تحققت قبل وقوعه. وستعمل الحكومة دون تأخير على معالجة آثار الحادث، بالتوازي مع إصلاح الاختلالات الهيكلية في الشركة الموريتانية للكهرباء، بما يعزز موثوقية الخدمة واستدامتها، آخذين في الاعتبار توصيات لجنة التحقيق المستقلة بخصوص هذا الحادث.
ولن يكتفي صاحب الفخامة بأي حصيلة لا تخلق ديناميكية اقتصادية تضمن توفير فرص العمل لشبابنا الجاد، الذي يقضي يومه، من الصباح إلى المساء، باحثا عن فرصة عمل يبني من خلالها مستقبله، ويغطي حاجاته، ويساعد أباه أو أمه أو أخاه في تغطية حاجات أسرته.
وسيظل عملنا ناقصا ما دام أي مواطن موريتاني يشعر بالانتقاص من كرامته أو بالإحساس بتمييز بسبب لونه أو أصله أو وضعه الاقتصادي أو الاجتماعي. هذا البلد لا يمكن أن يبنى أو يحصن إلا بالعدل والمساواة وبمشاركة وإنصاف جميع أبنائه.
كما لن تكتمل المهمة ما لم ننجح في التخفيف من أعباء الأزمة العالمية وتداعياتها، بما في ذلك ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل وانخفاض فرص العمل، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية على الظروف المعيشية للمواطنين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود منهم.
السيد الرئيس؛
السادة والسيدات النواب؛
إن الحكومة التي أتشرف بعرض بيان سياستها العامة أمامكم لها مرجعية سياسية واحدة وحصرية، هي الرؤية والمبادئ المؤسسة للمشروع المجتمعي لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي يحمله برنامج “طموحي للوطن”. وهي بذلك تتحد مع الحكومة التي سبقتها في الالتزام بالعمل ضمن المحاور الخمسة لهذا البرنامج:
أولا: بناء دولة قانون ومؤسسات قوية وذات حكامة عصرية رشيدة
وسيسعى الجهد الحكومي إلى تحقيق هذا الهدف من خلال تكامل العمل في ورشات مختلفة، أهمها:
إصلاح نظامنا الديمقراطي وتطويره وترسيخه.
توطيد أسس دولة القانون بإصلاح شامل لنظامنا القضائي.
ترقية حقوق الإنسان وحرية التعبير، وتعزيز دور الإعلام وقادة الرأي وهيئات المجتمع المدني.
ترقية الحكامة الرشيدة من خلال المحاربة الجادة والمؤسسية والفعالة لمختلف أشكال الفساد، وإصلاح الإدارة العمومية، وتعزيز الحكامة المحلية.
ثانيا: بناء اقتصاد قوي الأداء، صامد ومستدام بيئيا
وسيرتكز الجهد الحكومي في هذا المحور على جبهات عمل متعددة، أهمها:
– اعتماد الإصلاحات الهيكلية الضرورية لتحرير الاقتصاد وتشجيع الاستثمار، ودعم ومواكبة قطاعنا الخاص ليتمكن من لعب الدور المنوط به بوصفه محركا رئيسيا لخلق الثروة والنمو.
– تصور برنامج متكامل لتطوير البنى التحتية الضرورية للنمو، وإعداده وتعبئة التمويل اللازم لتنفيذه.
– إعداد برامج خاصة لتطوير جميع القطاعات التي يمتلك بلدنا فيها مقدرات اقتصادية وميزات تفضيلية.
– استحضار البعد البيئي في جميع المشاريع والبرامج الاقتصادية المنفذة.
ثالثا: رأس مال بشري ذو تكوين وتأهيل جيدين، خاصة فئة الشباب
إن قناعة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، راسخة بأن مختلف جوانب السياسات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية تتوقف، في تنفيذها الناجح والناجع وتحقيق غاياتها ومقاصدها، على توفر رأس مال بشري ذي تكوين وتأهيل جيدين، خاصة من فئة الشباب.
ولبلوغ الهدف المنشود في تكوين رأس مال بشري بهذه الخصائص، ستركز سياسة الحكومة، بشكل متكامل ومتزامن، على روافع ست هي: التعليم والتكوين والتشغيل والصحة والثقافة والرياضة.
وسيحرص على أن يكون تكوين رأس المال البشري المنشود قائما على أساس متين من تعزيز وتجذر هويتنا الإسلامية والحضارية والثقافية وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف.
رابعا: وحدة وطنية قوية واندماج اجتماعي متكامل
إن أصل الأمر ومنتهاه، بخصوص الهدف المنشود على مستوى هذا المحور، هو ترسيخ وحدة الشعب الموريتاني وتلاحمه وتماسكه، بوصفه شعبا واحدا ينصهر كله في وحدة إيمانية وعقدية جامعة، ويوحده التاريخ المشترك، وتجمعه القناعة الراسخة بوحدة المصير وبالمستقبل الواعد.
وفي سبيل العمل على بلوغ هذا الهدف، ستنصب جهود الحكومة على ترسيخ القيم والمبادئ التي عبّر عنها صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في مناسبات عدة، وخصوصا بمناسبة خطاب وادان وإعلان جول وخطابه أمام أطر انبيكت لحواش، وترجمتها في خطة عمل تتكامل مختلف محاورها في مواجهة النعرات القبلية والفئوية، وفي مواجهة التعصب الشرائحي والطبقي، والعمل على توفير الخدمات الأساسية للجميع.
وستواصل الحكومة، بوتيرة أقوى، الجهود الهادفة إلى القضاء على التفاوت الاقتصادي البَيّن، وما ينشأ عنه من اختلال في توزيع الثروة والفرص، والعمل على توفير الخدمات الأساسية للجميع.
كما ستواصل الحكومة مختلف البرامج الاجتماعية التي تستهدف المواطنين الأقل دخلا، وذوي الاحتياجات الخاصة، والمصابين بالأمراض المزمنة، مع ضمان تكاملها وعدالة معايير الاستفادة منها. وسيتم التركيز أيضا على تمكين المرأة، لتتمكن من أداء دورها الريادي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وعلى الوجه الأكمل.
خامسا: أمن واستقرار راسخان، ودور دولي وإقليمي فعّال
على مستوى هذا المحور، حُدد هدف أساسي يتمثل في توفير جميع الشروط والإمكانات اللازمة لحماية حرمة وقدسية حدودنا، وتوفير الأمن والاستقرار لجميع المواطنين الموريتانيين والمقيمين على أديم هذه الأرض الغالية.
وتحقيقا لهذا الهدف الاستراتيجي، ستولي الحكومة بالغ العناية للترجمة الفعالة لجميع جوانب استراتيجيتنا الأمنية المندمجة، التي وضعها فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.
كما ستولي عناية فائقة لإشكالية الهجرة، لما تنطوي عليه من تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية وإنسانية جسيمة. وستواصل في هذا المجال الجهود التي بذلتها كل حكومات صاحب الفخامة منذ عام 2019، تنفيذا لرؤيته وتعليماته في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية وتسيير الهجرة النظامية وضبطها.
وعلى صعيد آخر، ستستمر الحكومة في تجسيد رؤية صاحب الفخامة في مجال الدبلوماسية والعلاقات الدولية، التي تقوم على اعتماد سياسة خارجية نشطة، قائمة على مبادئ الاحترام المتبادل وحسن الجوار، وعلاقات الأخوة والصداقة والتعاون البناء، وتغليب الحوار والتفاوض، والالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية، ودعم كل القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والمساهمة في استتباب الأمن والاستقرار إقليميا ودوليا.
السيد الرئيس؛
السادة والسيدات النواب المحترمون؛
مما سبق، يتضح أن هذه الحكومة لن تختلف عن سابقتها في ما يتعلق بالعمل على تنفيذ إعلان السياسة العامة الذي تشرفت بتقديمه أمام جمعيتكم الموقرة في سبتمبر 2024، ولا بشأن مواصلة تنفيذ الالتزامات التي تعهدت بها الحكومة، في إطار خطة العمل لسنة 2026 والبالغ عددها 228 نشاطا والتي استعرضتها على هذا المنبر يناير الماضي، والتي سأعود، بإذن الله، لتقديمها الحساب بشأنها شهر يناير المقبل.
غير أنها، وعملا بالتكليف الجديد الذي شرفها به فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وتنفيذا لتوجيهاته السامية، ستقوم، دون تأخير، بكل ما يلزم من تطوير في مناهج العمل وآلياته، وتحسين في صيغ التنسيق، وإعادة في ترتيب الأولويات، ورفع وتيرة تنفيذ البرامج، مع معالجة ما استبان من مواطن النقص والتقصير، وصون المنجز وتطويره وتنويعه وتوسيع دائرة شموله، والقيام بكل ما يلزم لحماية المواطنين، وخصوصا ذوي الدخل المحدود منهم، ومواكبتهم في مواجهة تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية.
السيد الرئيس؛
السادة والسيدات النواب المحترمون؛
بشكل محدد، ستواصل هذه الحكومة تنفيذ السياسات والبرامج والالتزامات التي أقرتها الحكومة السابقة، وفق الآجال المحددة مع تعزيز ما ثبتت نجاعته، وتصحيح الاختلالات التي كشف عنها تقييم المرحلة الماضية.
واستنادا إلى نتائج هذا التقييم، وما أفرزته التطورات الاقتصادية والاجتماعية من تحديات جديدة، ستركز الحكومة، تنفيذا لتوجيهات فخامة رئيس الجمهورية، على ثلاثة أهداف رئيسية جديدة ستشكل أولوية أولوياتها في المرحلة المقبلة، تتمثل في تكثيف البرامج الاجتماعية الموجهة إلى الفئات الأقل دخلا والأكثر هشاشة، وتعزيز وتسريع التنمية الاقتصادية والزراعية في الولايات الداخلية، وإرساء رؤية استراتيجية وطنية طويلة الأمد لتنمية البلد.
وعليه، فإن عنوان المرحلة المقبلة سيكون: تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وخلق ديناميكية اقتصادية وتنموية في الولايات الداخلية، والانتقال من منطق التخطيط على المديين القصير والمتوسط إلى اعتماد رؤية استراتيجية للتنمية على المدى البعيد.
ولذا ستعمل الحكومة على:
أولًا: إعطاء الأولوية لدعم القدرة الشرائية للمواطن من خلال إعداد وتنفيذ حزمة من التدابير الاجتماعية والاقتصادية، بشكل عاجل، تساعد في الحد من الآثار السلبية للأزمة العالمية على الظروف المعيشية للمواطنين، مع إعطاء الأولوية للفئات الأقل دخلا والأكثر هشاشة، واتخاذ الإجراءات المناسبة استنادا إلى التقييم المستمر للأوضاع الرعوية والزراعية، ولا سيما في المناطق التي سجلت عجزا في التساقطات المطرية خلال موسم الخريف.
ثانيا: إعطاء اهتمام خاص بتنمية الداخل من خلال إعداد خطة شاملة وبرنامج تنفيذي متكامل لتنشيط الحركية الاقتصادية والزراعية في الولايات الداخلية، وتطوير المدن الكبرى وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية، وتحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل، بالاستناد إلى المزايا النسبية لكل ولاية ومدينة، بما يسهم في تحقيق تنمية اقتصادية وحضرية متوازنة ومستدامة.
ثالثا: إعداد رؤية استراتيجية وطنية طويلة الأمد، وتحديد نموذج تنموي يجمع بين الطموح والواقعية، ويؤسس لخيارات تنموية واضحة ومستدامة، ويوفر إطارا مرجعيا لتوجيه السياسات، والبرامج الحكومية، وضمان اتساقها واستمراريتها.
وسيتم تحقيق هذه الأهداف من خلال سياسات وبرامج وإجراءات محددة، قابلة للتنفيذ والمتابعة والتقييم، جزء منها سيتم تنفيذه بشكل فوري ومباشرة بعد نيل الحكومة لثقتكم والجزء الثاني سيتم تقديم برنامج تفصيلي بشأن تنفيذه بمناسبة عودتي للمثول أمام جمعيتكم الموقرة نهاية يناير المقبل.
يتعلق الأمر بشكل أكثر تفصيلا بالسياسات والإجراءات التالية:
فيما يخص الهدف الأول هو مواجهة آثار الأزمة الاقتصادية على الظروف المعيشية للمواطنين.
فكما تعلمون يمر عالمنا اليوم بأزمة حادة، تتداخل فيها التحديات الاقتصادية والاجتماعية مع التحولات الجيو-استراتيجية المتسارعة، وتتعمق فيها الضغوط على الأسواق وسلاسل الإمداد، وتتقلب أسعار الطاقة والمواد الغذائية، وترتفع تكاليف النقل والإنتاج والتمويل.
ولهذه الظرفية الدولية المعقدة غير معلومة المآلات، التي يعيشها العالم منذ أكثر من ثمانية أشهر، أثر كبير متعدد الأبعاد على بلدنا، كما على سائر البلدان، على اختلاف مستويات قوتها وتطورها. وتنعكس هذه التداعيات بصورة مباشرة على معاش الأسر، وقدرة المؤسسات على الإنتاج، وهوامش حركة الحكومات في إدارة مواردها والتزاماتها.
فبلدنا، بحكم ارتباطه بالأسواق الخارجية، وبحكم التحديات البنيوية التي لا تزال تواجه اقتصاده، ليس بمنأى عن هذه التداعيات، فقد سجل مؤشر الأسعار ارتفاعا تراكميا بنحو 7.3% بين نهاية فبراير (بداية الحرب) ونهاية سبتمبر 2026، وهو ما يفرض علينا تعزيز قدرتنا على مواجهة الصدمات، وتطوير آليات الاستجابة، واستخدام الموارد المتاحة على نحو يوازن بين مقتضيات الاستقرار الاقتصادي وضرورات الحماية الاجتماعية.
ومنذ الأسبوع الأول للأزمة، أصدر فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، تعليماته بتعبئة الموارد الضرورية لتمويل حزمة متنوعة من الإجراءات الرامية إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين، ولا سيما الفئات الأقل دخلا والطبقات المتوسطة.
ونظرا إلى استمرار الأزمة، وعدم وضوح الأفق الزمني لانتهاء الحرب وعودة الأوضاع إلى طبيعتها، فضلا عن احتمال استمرار آثارها الاقتصادية حتى بعد توقفها، وجّه صاحب الفخامة الحكومة إلى اتخاذ التدابير والإجراءات والاحتياطات اللازمة، على أساس افتراض استمرار الأزمة حتى منتصف عام 2027، مع الشروع في إعداد الخطط المناسبة لمواجهة احتمال امتدادها إلى ما بعد ذلك.
وتنفيذا لهذه التوجيهات، ستعمل الحكومة على مواجهة تداعياتها من خلال مسارين متكاملين، يركز أولهما على الحد من ارتفاع أسعار المواد الأساسية، فيما يستهدف ثانيهما دعم القدرة الشرائية للمواطنين الأقل دخلا والطبقة المتوسطة.
لن أعد مواطنينا بأننا قادرون من خلال هذين المسارين على تحييدهم بشكل كامل عن آثار هذه الأزمة، لكنني أريدهم أن يكونوا على ثقة تامة بأننا لن نتركهم وحدهم في مواجهة تداعياتها. فسيلمسون، بإذن الله، أثر تدخلات الحكومة بشكل سريع وملموس وشامل في رواتبهم ومعاشاتهم وفواتير مائهم وكهربائهم، وفي التحويلات النقدية والتوزيعات الغذائية التي تستهدف الأقل دخلا منهم.
وستتوزع التدخلات في كلا المسارين بين إجراءات عاجلة وظرفية، وتدابير أخرى تستهدف تحقيق آثار مستدامة على المدى المتوسط والطويل.
ففيما يتعلق بالأسعار، يقتضي التعامل الفعال مع ارتفاعها مراعاة التوازن بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان استمرارية التموين، بما يحافظ على حوافز الاستيراد والتوزيع ويحد من مخاطر الندرة.
وانطلاقا مما سبق، تلتزم الحكومة بما يلي:
مراجعة الآلية الحالية لتحديد أسعار المحروقات السائلة والغازية، بما يحد من انعكاس تقلبات الأسعار الدولية على المستهلكين، ويحول دون وصولها إلى مستويات لا يمكن أن تتحملها القدرة الشرائية للمواطن مع استعداد الدولة لتحمل فاتورة هذا الإجراء.
الاستمرار في تطبيق آلية تسقيف أسعار القمح والأرز والسكر والزيت وضمان فعاليتها عبر الردع الصارم لكل احتكار أو مضاربة مع إضافة مادة اللحوم إلى قائمة المواد المشمولة بهذه الآلية.
أما فيما يتعلق بدعم القدرة الشرائية للمواطنين الأقل دخلا، فسيتم ذلك، تنفيذا لتوجيهات فخامة رئيس الجمهورية، من خلال الاجراءات التالية:
تعويض أثر التضخم الناتج عن انعكاسات أزمة المعابر على القوة الشرائية للموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين، وخصوصا ذوي الرواتب والمعاشات المحدودة، من خلال زيادات في الأجور والمعاشات أو من خلال دعم مالي مؤقت.
دعوة الشركاء الاجتماعيين إلى عقد مفاوضات عاجلة تهدف إلى رفع أجور العمال الخاضعين لنظام الاتفاقية الجماعية، بما يتناسب مع معدلات التضخم المسجلة منذ بداية الحرب.
التكفل بشكل مؤقت بجزء معتبر من فاتورتي الماء والكهرباء للأسر ذات الدخل المحدود.
توسيع قاعدة المستفيدين من الدعم المقدم لذوي الإعاقة وأصحاب الأمراض المزمنة.
التنسيق مع البنك المركز الموريتاني لاستخدام كل آليات السياسة الاقتصادية والمالية والنقدية للحد من مستوى التضخم.
تثبيت أسعار الأعلاف، واقتناء كميات كافية منها، وبيعها بسعر التكلفة عند الاقتضاء وإطلاق برنامج واسع لحفر الآبار الرعوية في المناطق التي تحتاج ذلك.
الهدف الثاني: خلق ديناميكية اقتصادية وزراعية في الولايات الداخلية وتطوير مدننا الكبرى:
أما فيما يتعلق بالهدف الثاني، المتمثل في إعداد خطة شاملة وبرنامج عمل تنفيذي لتطوير مدننا الكبرى، وخلق ديناميكية اقتصادية تقوم على استثمار المزايا التنافسية لكل ولاية وتثمينها، فإن الحكومة ستعمل، بإذن الله، على تجسيد التوجه الذي عبّر عنه صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال زيارته الأخيرة لولايتي آدرار وإنشيري.
ففي كلمته أمام أطر مقاطعة أطار، أكد صاحب الفخامة، في عرضه حول أولويات العمل الحكومي في المرحلة المقبلة، (أقتبس):
((إن الجبهة الثانية التي بدأنا العمل عليها، بعد التقدم المحرز على مستوى توفير الخدمات الأساسية، هي جبهة تهدف إلى خلق أنشطة اقتصادية منظمة في الولايات الداخلية، وإعادة تأهيل الوجه العمراني لمدننا الداخلية)).
كما أكد المعنى نفسه في حديثه أمام أطر مقاطعة وادان، حين قال:
((في أفق العمل الكبير وغير المسبوق، الذي تقوم به الحكومة لحل مشكلة النفاذ إلى الخدمات الأساسية وفك العزلة عن جميع ولاياتنا ومدننا الداخلية، يبقى التحدي الأكبر هو استغلال هذه الاستثمارات العمومية وخلق أنشطة اقتصادية توفر فرص العمل للشباب وتثبت الساكنة في مناطقها. لا بد أن نكسر المسلّمة المتداولة بأن الانتقال إلى نواكشوط هو نهاية حتمية لمن يريد أن يتعالج أو يدرس أو يعمل أو يبحث عن فرصة)).
وجانب آخر من هذا التوجه أكده فخامة رئيس الجمهورية أمام أطر مقاطعة بنشاب، من خلال النداء الذي وجهه بشأن النظافة، حيث قال: ((ومن هنا، ومن بنشاب، أوجه نداءً إلى سكان هذه المدن، وبشكل خاص إلى المنتخبين، ورؤساء المجالس الجهوية والعمد، وإلى الفاعلين في المجتمع المدني، من أجل هبّة وطنية لحل مشكلة القمامة في مدننا. ستُعطى التعليمات إلى السلطات الإدارية في كل ولاية لوضع هذا الملف على رأس أولوياتها، ولتنسيق جهود جميع الفاعلين المعنيين به، وسنعتبر مؤشر نظافة المدن أحد المؤشرات الأساسية لحسن أداء السلطات المحلية)).
وانطلاقا من هذه التوجيهات السامية، ستعمل الحكومة على إعداد استراتيجية متكاملة وبرنامج تنفيذي يشملان، على وجه الخصوص، العناصر التالية:
1 – إعداد برنامج اقتصادي لتنشيط الولايات الداخلية
ستعكف الحكومة على تصميم برنامج اقتصادي خاص، في إطار برنامج النفاذ إلى الخدمات الأساسية للتنمية في الولايات الداخلية، يهدف إلى تنشيط القطاعات ذات الأولوية في كل ولاية، ولا سيما الزراعة والتنمية الحيوانية والخدمات الحضرية.
وسيُصمَّم هذا البرنامج استنادا إلى تشخيص دقيق للإمكانات المتاحة، وتقييم شامل للتجارب السابقة في المجال، وبمشاركة جميع الفاعلين المعنيين.
وفي هذا الإطار، سيُعمل، على وجه الخصوص، على إيجاد حل لإشكالية تمويل مشاريع تطوير قطاع التنمية الحيوانية، من خلال وضع تصور يتيح تقاسم المخاطر ويحل بشكل نهائي عقدة توفر المنمي على كل الضمانات البنكية كشرط وحيد لاستفادته من التمويلات المتوفرة.
كما سيُطلق برنامج خاص للإسهام في تحقيق السيادة الغذائية، عبر حزمة من المبادرات المتكاملة. وعلى وجه الخصوص، سيعمل على تهيئة جميع السدود الكبيرة، القديم منها والحديث، وتنظيم استغلالها، وإدخال أنماط زراعية جديدة، ومواكبة روابط المنتجين من خلال برامج مكثفة للإرشاد والتأطير. وستولى أهمية خاصة للمزارعين الصغار الذين لا يعتمدون في نشاطهم على السدود الكبيرة.
وستُضاعف التمويلات المخصصة لدعم المبادرات الشبابية القادرة على خلق فرص للدخل والعمل في الولايات الداخلية.
كما ستُمنح جميع الحوافز التمويلية والضريبية لتشجيع الاستثمار في الداخل، وخصوصا في كل ما له علاقة بالسيادة الغذائية.
ولمواكبة كل ذلك سيتم إنشاء صندوق خاص لتشجيع تمويل التنمية في الداخل.
2 – إصلاح منظومة جمع النفايات ومعالجتها
يهدف هذا الإصلاح إلى إحداث مراجعة جذرية لطرق جمع النفايات ومعالجتها، ولا سيما في الوسط الحضري. وستشمل هذه المراجعة إعداد خطة متكاملة تتجاوز أسلوب الحملات الظرفية، وتعبئ جميع الفاعلين المعنيين، من قطاعات وزارية وسلطات إدارية ومنتخبين وشركات متعاقدة ومجتمع مدني ومواطنين، مع توفير الموارد المالية واللوجستية الضرورية والاستفادة من أفضل التجارب في هذا المجال.
وفي إطار تنفيذ هذه الاستراتيجية، ستُحدد المسؤوليات بوضوح، وستُراجع العقوبات وتُحدّث بما يضمن ردع المخالفين، وستعطى للجماعات المحلية صلاحيتها الكاملة في هذا المجال.
3 – إعداد المخططات العمرانية وتطوير البنية التحتية الحضرية
سيتم إعداد مخططات عمرانية لجميع عواصم الولايات والمقاطعات التي لا تتوفر على مخططات من هذا النوع، مع مراعاة المعايير والضوابط المعتمدة في المجال، ولا سيما ما يتعلق بآفاق التوسع العمراني واحتياجات المدن من البنية التحتية الحديثة.
وفي هذا الإطار، ستنفذ تدريجيا برامج قطاعية لتطوير هذه المدن، تشمل إنشاء شبكات طرق حضرية جديدة، وإقامة معالم عمرانية، وإنشاء المنتزهات والمساحات الخضراء، والقيام بحملة واسعة لتوسيع نطاق التشجير.
4 – إعداد برنامج تهيئة حضرية لمدينتي نواكشوط ونواذيبو
سيتم إعداد برنامجين للتهيئة الحضرية لمدينتي نواكشوط ونواذيبو، والبدء تدريجيا في تنفيذهما. وسيُعهد إلى مكاتب دراسات متخصصة بإعداد هذين البرنامجين واقتراح خطة مرحلية لتنفيذ مكوناتهما ذات الأولوية.
وفي هذا الإطار، سيولى اهتمام خاص للصرف الصحي، وتبليط الشوارع الرئيسية وتشجيرها، وتهيئة الساحات العمومية والمناطق الشاطئية.
أما بخصوص الهدف الثالث والمتعلق بإعداد رؤية استراتيجية وطنية طويلة الأمد، ونموذج تنموي، ومخطط وطني للتنمية، وإصلاح إداري ومؤسسي مواكبين، فإنه يمكن أن أؤكد أن بوصلة العمل الحكومي في المرحلة المقبلة، إضافة إلى ما سبق، ستواكب أيضا ما ستفرزه الإجابة الجماعية للشعب والنخبة الموريتانية عن السؤال العميق الذي طرحه صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال زيارته الأخيرة لولاية آدرار، حين قال: ((هل تكفي المنظومة المؤسسية التي أُنشئت في الماضي، والتي لا نزال نعمل بها، للاستجابة للحاجات الراهنة للدولة والمجتمع؟
وما الذي ينبغي أن نطوره فيها حتى تظل الدولة قادرة على تعزيز وحدتها الوطنية ولحمتها الاجتماعية، وترسيخ دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، من أجل تحقيق طموحات أبنائها في النماء والعدل والإنصاف والكرامة والازدهار؟)).
وبما أن صاحب الفخامة عوّل في الإجابة عن الشق السياسي من هذا السؤال على الحوار المزمع عقده، حين قال: ((وإن أملي لكبير في أن يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبا بحول الله، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية، يسهم في تعزيز العقد الوطني، بما يجعله أقوى على استيعاب واقع بلدنا المتسارع التطور، وأكثر تعبيرا عن تطلعات أجياله الجديدة)).
فإن الحكومة ستعبئ كل طاقاتها لمواكبة تنظيم هذا الحوار وتسهيله وتنفيذ مخرجاته.
وستفتح بموازاة ذلك، ورشا جديدة لإعداد واعتماد خيارات تنموية كبرى لموريتانيا التي نريدها في أفق عام 2060، أي بعد مائة سنة من الاستقلال، والتحضير لكل ما يلزم لتحقيق ذلك.
لقد أثبتت التجربة أن الخيارات القادرة على حل مشكلات التنمية في بلدنا، في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه، والرقي به إلى مصاف الدول المتطورة، تتطلب رؤية بعيدة الأمد، منبثقة من تحليل عميق، واستخلاص الدروس المفيدة من تجاربنا وتجارب غيرنا، وتقييم دقيق للإمكانات المتوفرة والمخاطر المحدقة. كما تتطلب تراكما في الإنجاز، وثباتا واستقرارا في النهج والمسار والخيار، ووقتا كافيا لإنضاج البرامج والخطط وتهيئتها للتنفيذ.
فكم خسر بلدنا من وقت وإمكانات وتراكم للخبرة والمعرفة عند كل تغيير في النظام، وحتى في الحكومات والفرق الإدارية؟
وكم خسر، وسيخسر، عندما يقتصر منطق وأفق السياسيين والنخب والمسيرين في تصور السياسات والاستراتيجيات وإعداد البرامج وتنفيذها، على فترة انتداب أو مأمورية؟ فبمنطق كهذا، سيخسر البلد، للأسف، المستقبل قطعا ولن يضمن الحاضر.
وانطلاقا مما سبق، ستعمل الحكومة، دون تأخير، على إطلاق مسار إعداد رؤية وطنية لموريتانيا التي نريدها في أفق عام 2060، وترجمة هذه الرؤية إلى خيارات تنموية محددة، وصياغة مخطط وطني للتنمية يترجم هذه الرؤية إلى أولويات وبرامج ومشروعات قابلة للتنفيذ والمتابعة.
وستحرص الحكومة، في إطار إعداد هذه الرؤية، على إشراك مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، والقطاع الخاص، والشباب، وأصحاب الرأي والخبرة على المستوى الوطني، بصرف النظر عن انتماءاتهم أو آرائهم السياسية والفكرية، كما ستستعين بخبرات دولية متخصصة تتمتع بتجربة مشهودة في هذا المجال.
وبشكل محدد، يهدف هذا المسار إلى تحديد أهداف وطنية طويلة المدى للرؤية التي سيتم اعتمادها، ووضع مؤشرات واضحة لقياس التقدم نحو تحقيقها، وترجمتها إلى خطط تنموية متوسطة المدى، مع تحديد الأولويات والتمويل. كما سيتم وضع آلية دورية لتقييم النتائج وتحديث الخطط، في إطار الأهداف الاستراتيجية للرؤية.
وبالتوازي مع هذا المسار، ولضمان نجاحه، يتعين إطلاق إصلاح إداري يضمن تهيئة الجهاز الإداري والمؤسسي لمواكبة جميع متطلبات هذا المسار، ويسمح ببناء ذاكرة مؤسسية تراكم الدراسات والقرارات والدروس المستخلصة من التجارب السابقة وتحفظها وتبني عليها.
وفي سبيل ذلك، ومواصلة للإصلاح الإداري الذي أطلقته الحكومة السابقة، واستكمالا للجهود المبذولة في مجال رقمنة الإدارة، وتعزيزا لما تحقق من ضخ دماء شابة في مختلف مرافقها، من خلال مسابقات شفافة أتاحت اختيار الأكفأ، ستركز الحكومة خلال المرحلة المقبلة على إصلاحين أساسيين لتحقيق الأهداف المنشودة.
– الإصلاح الأول: وضع معايير شفافة للترقية في الإدارة العمومية وفصلها عن الاعتبارات السياسية
وفي هذا الإطار، ووفقا لتعليمات صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، سيُعمل على إعداد مرسوم جديد يفصل بين المناصب الإدارية، التي تتم الترقية إليها وفق معايير موضوعية تشمل الأقدمية والتجربة والتخصص والكفاءة وحسن الأداء، بعيدا عن أي اعتبار سياسي، والمناصب ذات الطبيعة السياسية التي تحتفظ الحكومة بصلاحية التعيين فيها، وفق القانون وضوابط وصلاحيات محددة.
– الإصلاح الثاني: تطوير التكوين المستمر ونقل الخبرات
يتعلق الإصلاح الثاني بإعداد برنامج تنفيذي للتكوين المستمر، وتحسين كفاءات موظفي الإدارة العمومية، وتيسير نقل الخبرات إليهم، بما يعزز قدراتهم المهنية ويرفع مستوى الأداء الإداري.
وفي هذا الإطار، ستعبأ جميع مؤسسات التعليم العالي، وعلى رأسها المدرسة الوطنية للإدارة، من أجل تصميم برامج تدريبية مناسبة، والاستفادة من كل ما تتيحه التقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي من فعالية وتوفير للجهد والوقت.
السيد الرئيس؛
السادة والسيدات النواب؛
إن ما استعرضناه أمامكم اليوم من بيان للسياسة العامة للحكومة، وما تضمنه من أولويات للعمل في المرحلة المقبلة، ينبغي أن يُقرأ في سياقه الصحيح، باعتباره حلقة جديدة في مسار وطني متواصل لتنفيذ رؤية وبرنامج فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، تتراكم فيه الإنجازات، وتتسع الطموحات، وتتعزز فيه فرص النهوض ببلادنا.
إن ما بذلناه من جهود، وما حققناه من نتائج، يمنحنا أسبابا تدعونا إلى التفاؤل بفعل النتائج والآثار الملموسة للعمل الحكومي، والمنهجية المتبعة في تنفيذه، والتي تجمع بين النظرة الاستراتيجية الطموحة والبحث عن الحلول السريعة والمستدامة للمشاكل المطروحة والمستجدة. وقد بدأ ذلك يتجسد في واقع معاش ونتائج ملموسة، فما كان بالأمس حاجة ملحة، أصبح اليوم في كثير من مناطق البلاد منشأة قائمة، وخدمة متاحة، وفرصة جديدة لتحسين ظروف العيش؛ مدارس وجامعات ومستشفيات ومنشآت مائية وطرق وجسور وساحات خضراء، إلى جانب التأمين الصحي والتحويلات النقدية والتوزيعات الغذائية.
لكننا، بالمقابل، وكما أسلفت، لا ندعي أن ما تحقق قد بلغ مستوى تطلعاتنا، ولا أننا وصلنا إلى نهاية المطاف، أو أن مشاكل البلد قد حُلّت، ولا أننا تمكنا من التغلب على كل ما يعانيه بعض مواطنينا من مشقة في توفير مقومات العيش الكريم، ولا أن الطريق أمامنا خال من الصعوبات والتحديات، فالاعتزاز بما تحقق لا ينبغي أن يحجب عنا ما لم يتحقق بعد، تماما كما أن إدراك حجم التحديات لا ينبغي أن يحجب عنا ما تتيحه بلادنا من فرص وإمكانات.
فموريتانيا بلد يملك من الموارد والثروات، ومن الطاقات البشرية والكفاءات، ومن الموقع والإمكانات الواعدة، ما يؤهله، إن أحسن استغلال كل ذلك، لتحقيق نهضة تنموية حقيقية، والانتقال إلى آفاق أرحب من التقدم والازدهار. لكن ذلك لن يتحقق بالتمني ولا بالتنظير، كما لن يتحقق بخطابات الإحباط والتشكيك التي تضعف ثقة المواطن في وطنه وتنال من أمله في المستقبل، ولن تساعد فيه المواقف التي تشتت الجهود وتضعف الصف وتمس الأمن والاستقرار.
ما نحتاجه اليوم هو توحيد كل ما نملك من إرادة وجهد وطاقة، من أجل تحويل هذه الإمكانات إلى فرص، والفرص إلى إنجازات، والإنجازات إلى تحسن ملموس ومستدام في حياة مواطنينا.
ولبلوغ هذه الغايات، فإن المرحلة المقبلة تتطلب منا جميعا أن نجعل المصلحة الوطنية العليا بوصلتنا الحقيقية في كل المواقف والاختيارات، وأن نقدم ما يجمعنا على ما يفرقنا، وأن نسمو على الحسابات الضيقة والمصالح الآنية. فالتجارب ودروس التاريخ تعلمنا أن الأوطان لا تُبنى بالتجاذبات العقيمة، ولا تنهض بالاتهام أو بالتشكيك المتبادل، وإنما تتقدم بالصدق والعمل والتضامن، وبالحوار والموضوعية في الطرح والمواقف، وبالتنافس المسؤول، وبالاستعداد الدائم لبذل الجهد وتحمل التضحيات كلما دعت الضرورة إلى ذلك، صونا لوحدة البلد وأمنه واستقراره.
وهنا أود أن أوجه نداء خاصا إلى شبابنا، الذين يعول عليهم فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في المشاركة الفعالة في بناء الحاضر، وحمل مشعل المستقبل، وصناعة تحولات الغد. إن وطنكم لا يحتاج إلى أحلامكم وطموحاتكم فحسب، بل يحتاج إليكم شركاء فاعلين في بنائه اليوم، وصناعًا لمستقبله غدًا، بما تملكون من علم، وإبداع، وطاقة، ومبادرة.
لا تسمحوا لليأس أن يتسلل إلى نفوسكم ولا أن ينتصر على أحلامكم، ولا للإحباط والتثبيط أن يحدّا من طموحاتكم، ولا للإشاعات والمعلومات المضللة أن تحجب عنكم حقيقة ما يجري أو تنال من ثقتكم في مستقبل بلدكم. انخرطوا في البناء، وكونوا جزءًا من الحلول، وآمنوا بأن المستقبل لا يُنتظر، لن يأتي إلا إذا حضر، بل وصنع بالإرادة وبالعمل والمثابرة.
كما أدعو القوى السياسية، أغلبية ومعارضة، إلى استغلال جو الهدوء الذي أرساه فخامة رئيس الجمهورية، وإلى أن تجعل من الحوار البناء والتنافس الديمقراطي وسيلة لتجويد السياسات والارتقاء بالأداء العام، وأن تستحضر دائما أن ما يجمعنا من مسؤولية تجاه الوطن، أكبر بكثير مما قد يفرقنا من اختلاف في الرؤى والمواقف. فالاختلاف حق، والنقد ضرورة، والتنافس الديمقراطي قيمة؛ لكن ينبغي أن تظل المصالح العليا لموريتانيا، ووحدتها واستقرارها، ومستقبل أبنائها، فوق كل اعتبار.
إن بناء الأوطان ليس سباقا قصيرا تحكمه الحسابات الآنية، نتسابق فيه للفوز بمكسب عابر، بل هو مسار طويل تتعاقب فيه الأجيال، وتتراكم فيه الجهود وتتكامل فيه النتائج. وما نريده لموريتانيا هو أن تكون كل مرحلة إضافة نوعية إلى ما سبقها، وأن يكون كل إنجاز أساسا لإنجاز أكبر، وأن نتحرر من منطق البدايات المتكررة لنرسخ ثقافة الاستمرارية والتراكم والبناء على المكتسبات.
وكما أكد فخامة رئيس الجمهورية، فإن الدول لا تُبنى من جديد مع كل مرحلة، ولا ينبغي لكل حكومة أن تبدأ من حيث بدأ من سبقها، بل من حيث انتهى إليه؛ تضيف إلى ما تحقق، وتعالج ما اختل، وتفتح آفاقا جديدة لما لم يتحقق بعد.
السيد الرئيس؛
السادة والسيدات النواب المحترمون؛
إننا أمام فرصة حقيقية لفتح صفحة أوسع في مسيرة بلدنا؛ صفحة عنوانها الثقة في الحاضر، والإيمان بالمستقبل، والوضوح في الرؤية والجدية في العمل، والجرأة في الإصلاح، والطموح في الإنجاز. ولا ينبغي أن نسمح لمواقفنا الحالية أو لتجارب الماضي المرة ولا لصعوبات الحاضر بأن تصادر آمال المستقبل، أو أن تجعلنا نقلل من قدرتنا على تغيير واقعنا نحو الأفضل.
فلنجعل من المرحلة المقبلة مرحلة وحدة وعمل وأمل، ومن اختلافاتنا مصدرا للثراء لا سببا للفرقة، ومن طاقات شبابنا وقوة مؤسساتنا وتضامن مواطنينا رافعة لانطلاقة وطنية جديدة. ولنؤمن جميعا بأن موريتانيا التي نريدها ليست حلما بعيد المنال، بل مشروعا وطنيا نستطيع، بإرادتنا الجماعية وعملنا المشترك، أن نجعله واقعا نعيشه ونورثه للأجيال القادمة.
إن المستقبل أمامنا واعد، وفرص النجاح متاحة، وأسباب النهوض موجودة؛ وما نحتاجه هو الثقة بقدرتنا، وتوحيد جهودنا، والمضي إلى الأمام بعزم لا يلين، وأمل لا ينضب، وإرادة لا تعرف الاستسلام.
وفي ختام هذا الإعلان، أود أن أؤكد، وبناء على توجيهات فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وباسمي الخاص وباسم الحكومة، أننا على أتم الاستعداد لمد يد التعاون للجميع، وبذل كل جهد، وتحمل كل مسؤولية، وتقديم كل ما تتطلبه خدمة الوطن من تضحيات، دون تردد أو تراجع، إيمانا منا بأن المسؤولية التي نحملها ليست امتيازا، بل تكليف وطني يستوجب منا أن نبذل أقصى ما في وسعنا لتحقيق تطلعات الموريتانيين والاستجابة لآمالهم المشروعة في حياة أفضل ومستقبل أكثر ازدهارا.
وإنني، إذ أؤكد لكم هذا الالتزام، على يقين بأنكم، السيدات والسادة النواب، على اختلاف مواقعكم ومواقفكم ومشاربكم، تشاطروننا حب هذا الوطن، والحرص على مستقبله، والاستعداد للإسهام في كل جهد مخلص يخدم مصالحه العليا ويستجيب لتطلعات أبنائه، وذلك هو مبتغانا جميعا.
فلتكن المرحلة المقبلة مرحلة تتقدم فيها المسؤولية على الحسابات، والأفعال على الأقوال، والمصلحة الوطنية على كل اعتبار. ولنتعاهد جميعا على أن نبذل من أجل موريتانيا الموحدة والعادلة والمنصفة كل ما نستطيع، وأن نضع في سبيل نهضتها من الجهد والتضحية ونكران الذات ما تستحقه آمال شعبنا الغالي وطموحات أجياله.
فما اجتمعت إرادة صادقة لأبناء وطن على غاية جامعة، وتضافرت جهودهم على قصد مشترك، إلا تذلّلت أمامهم الصعاب، واقتربت الغايات، وغدا بلوغها أيسر، وثمرها أينع وأنفع وأبرك.
ولأحدهم قول بليغ في الوفاء للأوطان:
وللأوطان في دم كل حر *** يد سلفت ودين مستحق.
وفقنا الله وإياكم لما فيه خير البلاد والعباد، وبارك الله الجهد، وسدد القصد، إنه ولي ذلك والهادي إلى سواء السبيل.
قال تعالى، وبقوله أتبرك وأختم، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل له مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.

